ابن تيميه
123
الرد على الأخنائي قاضي المالكية
له ، ولا ترغيب له في ذلك ، ولا ذكر أجر له ، كما جاء في الصلاة والسلام المأمور بهما ، فإنه قد وعد أن من صلّى عليه مرة صلّى اللّه عليه عشرا ، وكذلك من سلّم عليه ، وأيضا فهما مأمور بهما ، وكل مأمور به ففعله محمود مشكور مأجور . وأما قوله : « ما من رجل يمر بقبر الرجل فيسلم عليه إلا رد اللّه عليه روحه حتى يرد عليه السلام ، وما من مسلم يسلم عليّ إلا رد اللّه عليّ روحي حتى أرد عليه السلام » . فإنما فيه مدح المسلّم عليه ، والإخبار بسماعه السلام ، وأنه يرد السلام ، فيكافئ المسلّم عليه لا يبقى للمسلم عليه فضل فإنه بالرد تحصل المكافأة ، كما قال تعالى : وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها [ النساء : 86 ] ولهذا كان الرد من باب العدل المأمور به الواجب لكل مسلم إذا كان سلامه مشروعا ، وهذا كقوله : « من سألنا أعطيناه ومن لم يسألنا أحبّ إلينا » « 1 » . هو إخبار بإعطائه السائل ، ليس هذا أمرا بالسؤال ، وإن كان السلام ليس مثل السؤال ، لكن هذا اللفظ إنما يدل على مدح الراد ، وأما المسلّم فيقف الأمر فيه على الدليل . وإذا كان المشروع لأهل مدينته أن لا يقفوا عند الحجرة ويسلّموا عليه ، علم قطعا أن الحديث لم يرغّب في ذلك .
--> ( 1 ) أخرجه بهذا اللفظ : ابن أبي الدنيا في « القناعة » ( 76 ) والحارث بن أبي أسامة في مسنده كما في « الإتحاف » ( 9 / 305 ) . وقال العراقي في « المغني عن حمل الأسفار » رقم ( 3976 ) : « وفيه حصن بن هلال - [ كذا ، وصوابه : هلال بن حصن ] - لم أر من تكلّم فيه ، وباقيهم ثقات » . وأخرجه أحمد في « المسند » ( 3 / 44 ) قال : حدثنا محمد بن جعفر وحجاج ، قالا : حدثنا شعبة ؛ قال : سمعت أبا جمرة يحدّث عن هلال بن حصن ، قال : نزلت على أبي سعيد الخدري ؛ فضمّني وإياه المجلس ، قال : فحدّث أنه أصبح ذات يوم وقد عصب على بطنه حجرا من الجوع ، فقالت له امرأته أو أمه : ائت النبي صلى اللّه عليه وسلّم فاسأله ، فقد أتاه فلان فسأله فأعطاه ، وأتاه فلان فسأله فأعطاه ، فقال : قلت : حتى ألتمس شيئا ، قال : فالتمست ؛ - فأتيته ، قال : حجاج : فلم أجد شيئا ، فأتيته - وهو يخطب ، فأدركت من قوله وهو يقول : « من استعفّ يعفه اللّه ، ومن استغنى يغنه اللّه ، ومن سألنا ؛ إما أن نبذل له ، وإما أن نواسيه - أبو جمرة الشاك - ومن يستعفّ عنا أو يستغني أحبّ إلينا ممن يسألنا » . قال : فرجعت فما سألته شيئا ، فما زال اللّه عزّ وجلّ يرزقنا حتى ما أعلم في الأنصار أهل بيت أكثر أموالا منا . قلت : وإسناده رجاله ثقات ، وهلال بن حصن ، ذكره البخاري في « التاريخ الكبير » ( 8 / 204 ) وابن أبي حاتم في « الجرح والتعديل » ( 9 / 73 ) ولم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا . وذكره ابن حبان في « الثقات » ( 5 / 504 ) . وللحديث طرق أخرى عن أبي سعيد . فقد أخرجه أحمد ( 3 / 3 ) والطيالسي ( 2161 ) . من طريق : أبي بشر ، عن نضرة ، عن سعيد به ، بنحو منه . وإسناده صحيح . وأخرجه أحمد ( 3 / 4 ) من طريق : عبد الرحمن بن إسحاق ، عن عبد الرحمن بن معاوية ، عن الحارث مولى ابن سباع ، عن أبي سعيد به ، بنحو منه . وإسناده حسن بالشواهد .